
يوم حافل بالتضامن الإنساني النبيل
كنت اقصدها لتغطية اعلامية لورشة عمل هناك، جلست لفترة أتأمل اللوحة المعلقة في اعلى المبنى والمكتوب عليها «دار المسنين» لطالما كان مفهوم الدار في نظري هو اللمة والاهل والاصدقاء، ولكن الوضع هنا مختلف، نعم لا ننكر ان اسرة دار المسنين لا تقصر مع النزيلات ولكن تختفي معاني الحب وتندثر المشاعر عندما تستيقظ الام في الصباح ولا تجد ولدها يقبل رأسها او يقول لها صباح الخير.
ترجلت من السيارة وكنت اشعر بضيق وألم بسبب تفكيري في ظروف المسنين، صعدت الى الدور الاول وانا اسير ببطء وأنظر يمينا ويساراً لأجد امهات متعبات على الاسرة لا اعلم من المرض ام من الدنيا وما فيها، لم استطع ان اطيل الوقوف هناك كثيراً، لكنني تمنيت وقتها ان يأتي ابناؤهن اليهن ويعيدوا هذه الدرر الى مكانها ووسط محيط الاسرة.
سرت في الممر لأسمع بعدها اصواتا من الغناء والتصفيق الحاد، وهنا عرفت انني وصلت الى المكان المطلوب، دخلت لأجد مجموعة من ذوي الاعاقة والمسنات مشغولات في المطبخ في ظل من الاجواء الغنائية والتصفيق والسعادة البادية على الوجوه، حيث نظم فريق «همتنا لديرتنا» التطوعي المنبثق تحت مظلة مركز العمل التطوعي رحلة الى دار المسنين برفقة مجموعة من ذوي الاعاقة للمشاركة في ورشة العمل التي تتحدث عن فن الطبخ الكويتي واهم وألذ الاكلات التي تحتاجها السفرة الرمضانية تحت اشراف منيرة الحاي مدربة الطبخ في مركز متلازمة الداون.
الأمهات المسنات اللائي استضفن ذوي الاحتياجات الخاصة عبرن عن سعادتهن بهذا اليوم الحافل بالتضامن الانساني مؤكدات أنهن استعدن ذكرياتهن حينما كن يعدون الطعام لأبنائهن، اما المعاقون فقدموا الشكر لهذه اللمسة الحانية من ذوات العطاء المسنات.
أكلات كويتية
في غمرة اندماجه مع المسنات وذوي الاعاقة، قال رئيس فريق همتنا لديرتنا ابراهيم المشوطي ان هذه الورشة نتيجة لعمل مثمر وتعاون مع ادارة دار المسنين وبالتحديد نائب مدير الادارة ماجد خليل، فقد كان مسؤولا عن تنظيم وتسهيل كل الامور، اذ حضر لكل هذا العمل في يوم واحد فقط.
واضاف المشوطي: بما ان شهر رمضان الكريم على الابواب، فقد قررنا اقامة ورشة عمل نتحدث فيها عن اهم الاكلات الكويتية وطرق تحضيرها في ظل وجود المسنات والابناء من فئة الاعاقة الحركية ومتلازمة الداون.
واخترنا امهاتنا المسنات في دور الرعاية لندخل على قلوبهن السرور ونجعلهن يشاركن ابناءنا المعاقين الطبخ ليشعرن بانهن لا زلن قادرات على العطاء ولهن دور كبير في المجتمع، مشيرا الى ان امهاتنا المسنات اعددن الاكلات القديمة «كالتشريب» وساعدن في عمل الكبة وغيرها من الاكلات، وكانت التجربة ممتعة لهن. وكذلك استمتع ذوو الاعاقات.
وعن الخطط القادمة، قال المشوطي ان الفريق يستعد لاقامة ندوة في سوق المباركية تتحدث عن مناطق الكويت وسيقدم شرحا مفصلا لها وستكون مفاجأة للجميع.
ومن الطاولة التي كانوا مشغولين فيها بحشو الكبة باللحم المفروم، قالت مدربة الطبخ في مركز متلازمة الداون منيرة الحاي ان عملها اليوم يعتبر انسانيا للغاية، خاصة في ظل وجود امهاتنا المسنات، فقد نظم فريق همتنا هذا العمل وكان لي شرف المشاركة في هذه الورشة التي تتحدث عن الاكلات الرمضانية وطرق تحضيرها.
واضافت الحاي انها تعمل في مركز الداون لاكثر من ثلاث سنوات، وقد لاحظت تفاعل المعاقين مع المطبخ بشكل كبير، فهذه الفئة تحب الاعمال اليدوية وتجيدها بشكل كبير، فهي تعلمهم طرق تحضير الاكل خطوة بخطوة وهم يطبقونها بكل سعادة ومهارة.
كذلك تواجدت الناشطة الاجتماعية ام عامر السيف التي اكدت انها في تواصل مستمر مع المسنات في دور الرعاية وتعتبرهن امهات لها، مؤكدة ان ادارة المسنين متعاونة معها للغاية في كل الامور.
وعن رد فعل المسنات عن هذه الورشة، قالت: كانت السعادة واضحة عليهن، فقد كن ينتظرن هذا اليوم بفارغ الصبر، فمهما زاد بهن العمر يبقى اشتياقهن للطبخ موجودا لانه يذكرهن بحياتهن السابقة.
«الفتوش»
ومن فئة متلازمة الداون، قالت منال انها تحب الطبخ كثيرا، وهي تساعد والدتها دائما، كما انها تحب الرسم والحرف اليدوية.
والتقطت أطراف الحديث والدة منال قائلة: بكل سرور وفخر منال تساعدني بشكل كبير في المنزل، فهي تجيد لف ورق العنب، وحشي الكوسا، وعمل «الملوخية» وتجيد كل ما اطلبه منها بشكل دقيق وملحوظ.وأضافت: منال اليوم تتنافس مع رفيقاتها من فئة متلازمة الداون في التفنن في عمل الاكلات، فقد انتهت على الفور من عمل الفتوش وهي الآن ترص قطع الكعك في الطبق ولا تريد ان ترتاح، بل تحب ان تشارك في جميع الاطباق وتضع بصماتها الخاصة.
ومن جانبها، قالت والدة ثروة السعد من فئة متلازمة الداون ان ثروة سعيدة للغاية بانضمامها لمجموعة «همتنا لديرتنا»، حيث بدأت تمارس هوايتها وتختلط مع المجتمع والناس بشكل اكبر، وبدأت أكتشف ان لها قدرات وامكانات لم اكن اعرفها. وأضافت: اليوم تشارك ثروة المسنات في الطبخ تحت اشراف منيرة الحاي، وهي سعيدة جدا بهذه المشاركة، فهي تقطع الخضار بشكل منتظم لعمل سلطة الفتوش، كما انها تتعلم لكي تنقل خبراتها الى المنزل، حيث انني احرص على دخولها المطبخ معي في المنزل لتشاركني كل الاعمال، لانها ذكية للغاية وتستوعب بشكل سريع.
مساعدة الأهل
ومن الطاولة نفسها التي تعد عليها سلطة الفتوش، قالت والدة اماني ان هذا العمل محاولة بسيطة لابنتها اماني للمشاركة في الطبخ، حيث يطلبون منها اعمالا خفيفة، كتقطيع الخضار وعصر الليمون ويكون كله تحت اشراف المشرفات وأولياء الامور.
وأضافت ان هذا العمل وان كان بسيطا فهو يعتبر كبيرا بالنسبة اليهم، لان فئة متلازمة الداون تحب المشاركات في الاعمال اليدوية وتشعر بالفخر عند انجاز عملها، لذلك اشكر ابراهيم المشوطي على تشجيعه لعمل المعاقين، واقامة نشاطات مختلفة لهم ليعزز الثقة بنفوسهم ويدمجهم مع المجتمع.
أما روان التي كانت تساعد منال في عمل الكيك، فقالت انها تحب هذه الاكلة، لذلك هي تساعد في تحضيرها وستدخلها الثلاجة بعد قليل لتتناولها.
مواهب غنائية وشعرية
في فترات الراحة من الطبخ، طلب رئيس فريق «همتنا لديرتنا» ابراهيم المشوطي من الحضور ان يبرزوا مواهبهم، وكانت النتيجة ان جميع المسنات يحملن في داخلهن تراثا كبيرا، حيث تنوعت مواهبهن بين الغناء والشعر، كما ان كثيرا من الامهات كُنّ يحفظن آيات من القرآن الكريم، وتواجد بعد ذلك الدكتور النفسي ايوب اشكناني، وأسعد الحضور بكلامه المفيد واسمعهم بعضا من الاشعار
المصدر : جريدة القبس